abbasbusafwan@gmail.com

الحالة الكويتية… استثناء يكسر المراوحة

هل يسود القلقُ الكويتَ، بعد رحيل أميرها صباح الأحمد الجابر الصباح؟ الإجابة ضبابية. لكن، من دون شك، فإن الأسئلة تترى حول المسار الذي ستسلكه العاصمة الخليجية الغنية بالنفط، في ظلّ أميرها السادس عشر، نواف الأحمد، إن على المستوى الداخلي أو الخارجي.

للبعض، ينبع الجزع من تجارب بعض دول الجوار: الإمارات والبحرين والسعودية، حيث سلك حكّامها الجُدد: محمد بن زايد، وحمد بن عيسى، ومحمد بن سلمان، سلوكاً عدوانياً داخلياً، وعلى مستوى الجوار. ما يبعث على التفاؤل لدى بعض الأطراف،

في الحالة الكويتية، ان الأمير الجديد، نواف، يعرف الخلطة الداخلية، والتعقيدات المحيطة بالعاصمة التي يحيطها جوار ملتهب. ثم إنه في عمر يناهز الثمانين عاماً، فهل هذه علامة طيبة؟ ربّما! لأن الجيل الجديد الشاب من الحكام الخليجيين يبدو أكثر سوءاً، بما لا يقارن، من آبائهم.

اليوم، إذاً، يتجدّد السؤال في شأن كل ما سبق، وفي شأن السياسة الداخلية التي سيتبعها الأمير الجديد، بعدما أبيدت السياسة والتفاهمات التقليدية، على أيدي الحكام الجدد الذين يؤمنون بالحكم الفردي. فهل تستمر الكويت «واحة غنّاء» في خليج قاحل؟

صحيح أن الكويت إمارة وراثية، لكن للناس فيها بعض نصيب، ذلك أن الدستور الذي كُتب بقلم أهلها، يمنح المؤسسة التشريعية المسمّاة «مجلس الأمة» صلاحيات تشريعية ورقابية جيدة، مقارنة مع جوارٍ خليجي يفتقر إلى مؤسسات شعبية. وإن لم تُظهر الممارسة الكويتية فعاليّة قصوى للمؤسسة البرلمانية، فإن نصوص الدستور قابلة للاستثمار بما يزيد من هذه المساحة الشعبية في القرار التنفيذي، والرقابة عليه. كما يوجد في الدستور بعض من نفحات ما يسمّى في القانون الدستوري «المملكة الدستورية». فالأمير لا يمارس صلاحياته مباشرة، بل عبر وزرائه (المادة 55 من الدستور). لكن الأهم، أن الدستور الكويتي لا ينص على أن تكون رئاسة مجلس الوزراء من حصة عائلة آل الصباح الحاكمة.

ويظلّ الأمل مفتوحاً بأن يُقاد مجلس الوزراء، يوماً ما، من قِبَل شخصية شعبية، في ظل عدم وجود قيود دستورية. بل إن الدستور ينص على أن «يعيِّن الأمير رئيس مجلس الوزراء بعد المشاورات التقليدية» (المادة 56).‎ ويمكن تطوير مقولة «المشاورات التقليدية» لتُعبِّر عن الغالبية البرلمانية مثلاً، أو أيّ صيغة تمنح المجلس المنتخَب دوراً أوسع في المؤسسة التنفيذية.

على أن التطوّر المفيد جرى بفصل ولاية العهد عن رئاسة الوزراء، منذ وصول الأمير الراحل صباح الأحمد، ما يُعدُّ أمراً حيوياً، بالنظر إلى الحاجة إلى مساءلة رئيس الوزراء، بصفته مسؤول السلطة التنفيذية، إذ إنه حين يكون وليّ العهد رئيساً لمجلس الوزراء، فإن ذلك يضع «مجلس الأمة» في مأزق، لأنه يراد لوليّ العهد أن يكون في موقع أسمى، ربّما. الإشكال الأكبر أن الأمير الكويتي يتمتّع بصلاحيات عريضة؛ فهو رئيس دولةٍ بصلاحيات تنفيذية وأخرى تشريعية واسعة. وبهذا، يتموضع بالضرورة تحت بند المساءلة ما دام صاحب قرار تنفيذي، وذلك وفق الأطر الدستورية المتعارف عليها، بيدَ أن الأمير، في حالة الكويت، «ذاته مصونة لا تمسّ».

لكن، أليس هذا باب يمكن استثماره لتوسيع صلاحيات مجلس الوزراء، وتقليصها لدى الأمير، بما يعطي معنى لصون الذات الأميرية، التي سيكون ممكناً، مع تحوّل رأس الدولة إلى رمز للوحدة الوطنية؟
في جانب آخر، فإن الطريقة التي بُني مجلس الأمة استناداً إليها، تمنح الأسرة الحاكمة فرصة لتثبيت «حزبها» كجزء من العملية التشريعية، حيث يتشكّل البرلمان من ثلثين من الأعضاء يجري انتخابهم بالاقتراع السرّي، بينما يختار الأمير الثلث الآخر، أي الوزراء، الذين يصبحون تلقائياً أعضاء في مجلس الأمة. ومن بين الصلاحيات المهمّة التي يتمتّع بها الأخير، وجود دور له في اختيار وليّ العهد. وهذه مدعاة لأن يلعب الأعضاء المنتخبون أدوراً فاعلة في تثبيت ولي العهد، بصفته الأمير المستقبليّ، وفق برنامج فعلي لولي العهد، يتعهّد بتبنّيه لإحداث إصلاحات حقيقية، مقابل الموافقة على تعيينه في هذا المنصب، لا أن تكون الموافقة على التعيين إجراءً شكلياً.

وبعد أدائه اليمن الدستورية، أمام الأمير عام واحد ليعيّن ولي العهد. ويبرز هنا أن التعيين يتم بـ»أمر أميري»، وهو أداة قانونية تمنح رأس الدولة صلاحيات مطلقة من دون منازع في اختيار من يشاء من ذرية مبارك الصباح (انظر: قانون توارث الإمارة في الكويت). التوازن النسبي – إن صح القول – يحدث، ربّما، بالنظر إلى أن التعيين لا يُقرّ إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس الأمة (المادة الرابعة من الدستور). ثم إن إطاحة ولي العهد ممكنة في ما لو «فقد الشروط الواجب توافرها فيه أو فقد القدرة الصحية على ممارسة صلاحياته»، وذلك يستدعي موافقة مجلس الأمة مرة جديدة. كذلك، لا يمكن إزاحة الأمير، بقرار من العائلة الحاكمة، لأن ذلك يحتاج إلى موافقة مجلس الأمة أيضاً. وبالفعل، تدخّل مجلس الأمة في إزاحة الراحل سعد العبد الله، لمصلحة الأمير، صباح الأحمد، الذي حكم الإمارة الدستورية منذ عام 2006.

إن الباب الذي يمنح مجلس الأمة رأياً في اختيار رأس الدولة، يمنح البرلمان، من الناحية النظرية، فرصة للمضي في إعداد صيغة أكثر تعبيراً عن «الملكية الدستورية»، بيد أن الممارسة السياسية السائدة ما زالت بعيدة عن مثل هذه التصوّرات المفيدة لاستقرار البلاد، إذا ما تحقّقت وفق شروط الحوار والتراضي والمساومة الإيجابية.

هذه المسائل الجوهرية المتعدّدة تكاد تفقدها عموماً الدول الخليجية الأخرى، التي تلعب العائلة الحاكمة فيها الأدوار التامة في تثبيت الأمير وولي العهد والوزراء، وصوغ الدستور والقوانين، واتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية، وشن الحروب، واستدعاء القواعد الاجنبية والتطبيع، بانفراد وفي تجاهل تام للقطاعات الشعبية.

مع ذلك، فإن الصراع السياسي في الكويت عقيم، نوعاً ما، يغذّيه سياق إقليمي معادٍ للتنوع والتعددية والممارسة البرلمانية، وسياسات التوافق التي يُنظر إليها سعودياً على أنها دليل ضعف الحكّام الكويتيين. وتشتكي قطاعات وازنة في الكويت من أن الممارسة البرلمانية لم تدفع بالتنمية إلى الآفاق المتوقعة.
في السياسة الخارجية، يتجلّى حجم ما تعلّمته الكويت من دعمها لجيش صدام حسين في حربه الطويلة ضدّ إيران، وما تبعه من احتلال عراقي للكويت. مذّاك، انكفأت الكويت، لكنّها أدركت أن الحوار أجدى من الحروب، فلم تناصر الحصار ضدّ قطر، واتّخذت مسافة من القرار السعودي في عدوانه على اليمن، لكنّها، في قضية سوريا، فشلت في الحدّ من غلوّ بعض الجماعات السياسة وتقييدها من التورط في الحالة السورية الدامية، إلا بعد فوات الأوان.

في هذا الجانب، تبدو الحكومة الكويتية أحياناً أفضل من بعض القطاعات الشعبية التي قد تتورّط في ممارسات ضدّ المختلف داخلياً، وفي قضايا الإقليم، بمنظار قد يكون طائفياً، ومضراً بالكويت ذاتها.
نعم، قد تجد الكويت علامة مضيئة في ظلام خليجي وعربي شبه دامس. وصحيح أن تجربتها ينقصها الكثير، وتواجه تحديات جمّة، كثير منها داخلي، والأكثر إقليمي، لكنّ الأمر الحيوي هو أن لدى الكويت أساساً دستورياً يسمح للشعب بأن يكون أكثر فاعلية، وعائلة حاكمة تضع الناس في حساباتها، بعكس بعض الجوار الذي يرى في حدّ السيف شرعيّة.

انشر وشارك

مقالات ذات صلة